هل نحن نتذوق القهوة… أم نتذوق وصفها؟
هناك سؤال يراودني منذ فترة:
متى أصبحنا نحتاج إلى أن يخبرنا أحدهم ماذا يجب أن نشعر به في الفنجان، قبل أن نشربه؟
تفتح كيس قهوة، فتجد الوصف:
ياسمين، برغموت، مانجو، خوخ، شاي أسود، سكر بني، توت أزرق، شوكولاتة…
تقرأ الوصف، ثم تطحن القهوة، وتبدأ التقطير.
تأخذ الرشفة الأولى.
فتبحث عن الياسمين.
ثم المانجو.
ثم البرغموت.
ثم تعود إلى البطاقة لتتأكد:
«يمكن… فعلًا فيه مانجو».
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل أنت تذوقت المانجو فعلًا، أم أنك كنت تبحث عنها لأن أحدًا أخبرك أنها موجودة؟
---
أنا لا أقول إن أوصاف النكهات غير مهمة.
بالعكس.
اللغة تساعدنا على التواصل، والمقارنة، وتدريب الذاكرة الحسية، ووصف التجربة للآخرين.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول لغة الوصف من أداة لفهم القهوة إلى سلطة على ذائقتنا.
فتصبح القهوة الجيدة هي التي نستطيع أن نُلصق بها أكبر عدد ممكن من الكلمات.
وكأن الفنجان الذي يقول:
«تفاح»
أقل شأنًا من الفنجان الذي يقول:
«ياسمين، برقوق أصفر، برغموت، عنب أبيض، شاي أولونغ، سكر قصب، ونهاية تشبه قشر الليمون».
مع أن السؤال الأهم ليس:
كم نكهة تستطيع أن تقول؟
بل:
هل ما تقوله موجود فعلًا؟ وهل له أثر حسي واضح؟
---
والأغرب من ذلك أننا أصبحنا أحيانًا نتعامل مع المصطلحات وكأنها حقائق علمية.
إذا قلتَ:
«هذه القهوة عصيرية»
فربما يسألك أحدهم:
«وش الفاكهة؟»
وإذا قلت:
«قوامها حريري»
قد يسألك:
«وش النكهة اللي أعطتك هذا الإحساس؟»
مع أن الإحساس بالفم ليس بالضرورة نكهة.
الحموضة ليست نكهة.
القوام ليس نكهة.
الحيوية ليست نكهة.
الشفافية ليست نكهة.
والقهوة لا تحتاج أن تكون «مانجو» حتى تكون عصيرية.
هذه أشياء مختلفة، لكننا أحيانًا نخلط بينها لأن قاموسنا الحسي لم ينضج بالقدر الكافي.
---
وهنا أصل إلى نقطة أراها أكثر خطورة:
لماذا أصبح قاموس القهوة المختصة عربيًا بلسانٍ أجنبي؟
نحن نملك لغة من أغنى اللغات في وصف الإحساس والطعم والرائحة.
ومع ذلك، عندما نريد وصف كوب قهوة، نستعير عشرات المصطلحات، ثم نتصرف وكأنها الطريقة الوحيدة الصحيحة للتعبير.
أنا لا أدعو إلى رفض المصطلحات العالمية.
ولا أرى في كلمة إنجليزية مشكلة لمجرد أنها إنجليزية.
المشكلة أن نستورد المصطلح ومعه طريقة التفكير دون أن نسأل:
هل هذا التعبير هو الأدق فعلًا؟
وهل لغتنا عاجزة عن تقديم وصف أفضل؟
---
والأمر نفسه يحدث مع التحميص.
صار هناك اعتقاد ضمني عند البعض:
كلما كان التحميص أفتح، كان الحماص أفضل.
وهذه واحدة من أكثر الأفكار التي أراها اختزالًا لفن التحميص.
التحميص الفاتح ليس إنجازًا بحد ذاته.
والتحميص الداكن ليس عيبًا بحد ذاته.
المعيار ليس لون الحبة.
المعيار: ماذا فعل الحماص بالقهوة؟
هل حافظ على شخصيتها؟
هل طوّر الحلاوة؟
هل أظهر الحموضة دون أن يجعلها عدوانية؟
هل منح القوام ما يحتاجه؟
هل حقق توازنًا بين ما جاء من المحصول وما صنعه التحميص؟
قد تكون القهوة فاتحة جدًا… وسيئة.
وقد تكون أغمق مما اعتدنا عليه… لكنها متزنة، واضحة، ولذيذة.
التحميص مهارة، وليس مسابقة في من يستطيع الوصول إلى لون أفتح.
---
ثم جاءت المعالجة.
وهنا أصبح الأمر أكثر إثارة.
كلما ظهرت طريقة معالجة جديدة، بدأنا نبحث عن النكهات التي يمكن أن تصنعها.
تخمير، أنظمة مختلفة، إضافات، تخمير لاهوائي، تجفيف، نقع…
أنا لا أرفض التطور.
لكنني أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذا هو:
هل نحن نحاول أن نفهم القهوة، أم نحاول أن نجعلها تقول شيئًا لم تكن تريد قوله أصلًا؟
لأن الفرق كبير.
هناك معالجة تكشف المحصول.
وهناك معالجة تطغى عليه.
وهناك قهوة تصبح مثيرة للاهتمام بسبب ما فُعل بها، لا بسبب ما كانت عليه أصلًا.
وهذا ليس بالضرورة سيئًا.
لكن يجب أن نكون صريحين في وصف التجربة.
---
ربما حان الوقت لأن نعيد مركز القهوة إلى مكانه الصحيح:
الفنجان.
ليس بطاقة الوصف.
ليس اسم المزرعة.
ليس طريقة المعالجة.
ليس رقم الـ TDS.
ليس الـ Agtron.
وليس رأي الشخص الذي أمامك.
كل هذه أدوات.
لكنها ليست التجربة نفسها.
القهوة في النهاية شيء تشربه.
وإذا كنت تحتاج إلى خمس دقائق لتقنع نفسك بأن الفنجان لذيذ…
فربما المشكلة ليست في قدرتك على التذوق.
ربما المشكلة أن الصوت الذي في رأسك كان أعلى من صوت الفنجان.
---
أنا لا أريد قهوة تخبرني كيف يجب أن أشعر.
أريد قهوة تجعلني أشعر، ثم أبحث أنا عن الكلمات.
أريد أن تكون المصطلحات خادمة للذائقة، لا حاكمة عليها.
وأريد أن نصل إلى مرحلة يستطيع فيها العربي أن يصف كوبه بلغته، لا لأنه يرفض العالم، بل لأنه يثق بلغته وذائقته بما يكفي.
في النهاية…
القهوة لا تصبح أفضل لأننا وصفناها بشكل أجمل.
ولا تصبح أعقد لأننا وجدنا لها عشرين نكهة.
ولا تصبح مختصة لأن لونها فاتح.
ولا تصبح عظيمة لأن سعرها مرتفع.
القهوة العظيمة هي التي تستطيع أن تقف أمامك بلا شرح طويل… وتشربها، فتفهمها.
ثم يأتي الكلام بعدها.
لا قبلها.
لا توجد تعليقات كُتّاب بعد.
💬 تعليقات الأعضاء 0 ▾
لا توجد تعليقات أعضاء بعد. كن أول المعلّقين!
سجّل دخولك لإضافة تعليق